أبي هلال العسكري

159

الصناعتين ، الكتابة والشعر

والنظراء والغلمان والوكلاء ، فتفرق بين من تكتب إليه بصفة الحال وذكر السلامة ، وبين من تكتب إليه بتركها إجلالا وإعظاما ، وبين من تكتب إليه : أنا أفعل كذا ، وبين من تكتب إليه : نحن نفعل كذا ؛ « فأنا » من كلام الإخوان والأشباه ، « ونحن » من كلام الملوك . وتكتب في أول الكتاب « سلام عليك » ، وفي آخره « والسلام عليك » ؛ لأنّ الشئ إذا ابتدأت بذكره كان نكرة ، فإذا أعدته صار معرفة ؛ كما تقول : مرّ بنا رجل فإذا رجع قلت : رجع الرّجل . وكان الناس فيما مضى يستعملون في أوّل فصول الرسائل « أما بعد » . وقد تركها اليوم جماعة من الكتّاب ، فلا يكادون يستعملونها في شيء من كتبهم ، وأظنّهم المّوا بقول ابن القرية وسأله الحجاج عما ينكره من خطابته ، فقال : إنك تكثّر الردّ ، وتشير باليد ، وتستعين بأمّا بعد . فتحاموه لهذه الجهة مع أنهم رووا في التفسير أنّ قول اللّه تعالى : وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ هو قوله أمّا بعد ؛ فإن استعملته اتباعا للأسلاف ، ورغبة فيما جاء فيه من التأويل فهو حسن ؛ وإن تركته توخّيا لمطابقة أهل عصرك ، وكراهة للخروج عمّا أصّلوه لم يكن ضائرا . وينبغي أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه وعلى القدر المكتوب فيه . وقد كتب بعضهم إلى حبّة له : عصمنا اللّه وإيّاك مما يكره . فكتبت إليه : يا غليظ الطّبع ؛ لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا . واعلم أنّ الذي يلزمك في تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط ، ولا يلزمك فيها السّجع ؛ فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن ، ما لم يكن في سجعك استكراه وتنافر وتعقيد ، وكثر ما يقع ذلك في السّجع ، وقلّ ما يسلم - إذا طال - من استكراه وتنافر .